الغزالي
59
إحياء علوم الدين
تطلق لإرادة الاشتباه والجهل ، ولا اشتباه هاهنا ، بل العصيان بالذبح بسكين الغير معلوم ، وحل الذبيحة أيضا معلوم . ولكن قد تشتق الشبهة من المشابهة ، وتناول الحاصل من هذه الأمور مكروه ، والكراهة تشبه التحريم . فإن أريد بالشبهة هذا ، فتسمية هذا شبهة له وجه . وإلا فينبغي أن يسمى هذا كراهة لا شبهة . وإذا عرف المعنى فلا مشاحة في الأسامي فعادة الفقهاء التسامح في الإطلاقات . ثم اعلم أن هذه الكراهة لها ثلاث درجات : الأولى منها تقرب من الحرام ، والورع عنه مهم . والأخيرة تنتهي إلى نوع من المبالغة ، تكاد تلتحق بورع الموسوسين . وبينهما أوساط نازعة إلى الطرفين . فالكراهة في صيد كلب مغصوب أشد منها في الذبيحة بسكين مغصوب ، أو المقتنص بسهم مغصوب . إذ الكلب له اختيار . وقد اختلف في أن الحاصل به لمالك الكلب أو للصياد . ويليه شبهة البذر المزروع في الأرض المغصوبة . فإن الزرع لمالك البذر ، ولكن فيه شبهة ، ولو أثبتنا حق الحبس لمالك الأرض في الزرع لكان كالثمن الحرام ولكن الأقيس أن لا يثبت حق حبس ، كما لو طحن بطاحونة مغصوبة واقتنص بشبكة مغصوبة ، إذ لا يتعلق حق صاحب الشبكة في منفعتها بالصيد ، ويليه الاحتطاب بالقدوم المغصوب ، ثم ذبحه ملك نفسه بالسكين المغصوب ، إذ لم يذهب أحد إلى تحريم الذبيحة ، ويليه البيع في وقت النداء ، فإنه ضعيف التعلق بمقصود العقد ، وإن ذهب قوم إلى فساد العقد ، إذ ليس فيه إلا أنه اشتغل بالبيع عن واجب آخر كان عليه . ولو أفسد البيع بمثله ، لأفسد بيع كل من عليه درهم زكاة ، أو صلاة فائتة وجوبها على الفور ، أو في ذمته مظلمة دانق فإن الاشتغال بالبيع مانع له عن القيام بالواجبات فليس للجمعة إلا الوجوب بعد النداء ، وينجر ذلك إلى أن لا يصح نكاح أولاد الظلمة ، وكل من في ذمته درهم ، لأنه اشتغل بقوله عن الفعل الواجب عليه ، إلا أنه من حيث ورد في يوم الجمعة نهى على الخصوص ربما سبق إلى الأفهام خصوصية فيه فتكون الكراهة أشد ، ولا بأس بالحذر منه ولكن قد ينجر إلى الوسواس ، حتى يتحرج عن نكاح بنات أرباب المظالم ، وسائر معاملاتهم وقد حكى عن بعضهم أنه اشترى شيئا من رجل ، فسمع أنه اشتراه يوم الجمعة ، فرده خيفة أن يكون ذلك مما اشتراه وقت النداء . وهذا غاية المبالغة ، لأنه رد بالشك . ومثل هذا